يونيو 21, 2008 من تأليف جاسم الملا
أعجبتني مقالة في موقع المميزون للأستاذ ماجد الأنصاري، وهي تقارن بين نمط التفكير بيننا كمسلمين وعرب وبين الغرب، اترككم مع المقالة:

في إحدى السنوات وخلال دراستي في ولاية أوريغون في الولايات المتحدة الأمريكية قررت مجموعة من المنظمات المدنية في كبرى مدن الولاية عقد تظاهرة تضامناً مع الشعب الفلسطيني واحتجاجاً على الممارسات الإسرائيلية التعسفية تجاه هذا الشعب الأعزل وكانت الكتلة الأكبر من هذه المؤسسات تتمثل في المراكز الإسلامية والمنظمات الطلابية العربية والإسلامية وغيرها من الأشكال المؤسسية للجاليتين المسلمة والعربية في الولاية وكانت المظاهرة مختصرة في إقامة صلاة الجمعة في ميدان عام في مركز المدينة وبعض الخطب والهتافات ورفع العديد من اللوحات الاستنكارية. وكما هو متوقع في الموعد المرتقب ظهر جمع من المئات من العرب والمسملين والقليل من الأمريكيين البيض والسود المناصرين للقضايا العربية وقضايا حقوق الإنسان عموماً، ولكن اللافت هو حضور عدد يعد على الأصابع من الشباب اليهود !!
أولئك اليهود لم يكونوا هناك ليقفوا في صف إسرائيل أوحتى للفرجة، وفي الوقت ذاته لم يكونوا هناك ليحملوا اللوحات أو يصلوا الجمعة! جاءت هذه المجموعة التي لم يزد عددها على شابين وفتاة على ما أذكر لتناصر القضية الإنسانية للفلسطينيين، وبينا مئات العرب والمسلمين يصرخون بالهتاف في وسط الميدان لبس هؤلاء النفر من اليهود ثياباً توحي بأنهم عسكريون إسرائيليون وحملوا ما يشبه تلك الموانع الخشبية على المعابر الصهيونية ووقفوا بجوار إشارات المرور، وكلما أضاءت الإشارة الحمراء وتوقفت السيارات أمامها خرج اثنان وهم يحملون القطعة الخشبية ويقفون أمامها ممثلين مشهداً درامياً تخرج من خلاله مشاركة معهم حاملة مكبراً للصوت وتتوجه للسيارات قائلة شيئاً بهذا المعنى ( أنت أمام معبر إسرائيلي …. لا يمكنك العبور مهما كانت حالتك ….. وعليك أن تعاني كفلسطيني يومياً عند هذا المعبر ولن يهتم الجنود الواقفون عليه لحالتك مريضاً كنت أم شيخاً أم طفلاً ) وقبل أن تضيء الإشارة الخضراء ينهون عرضهم ويبعدون الحاجز عن الطريق ويعيدون الكرة حين تضيء الإشارة الحمراء ثانية.
ولا أحتاج إلى أن أبين أن أولئك الأربعة كانوا بتلك الفكرة المبدعة أكثر تأثيراً على المارة ووسائل الإعلام من المئات الذين بحت أصواتهم من الصراخ وكلت أكتافهم من رفع اللوحات طيلة النهار.
وهنا يجب أن نقارن بين نمط تفكيرنا وبين النمط الذي تتبعه العديد من مؤسسات المجتمع المدني والتجمعات الحقوقية العالمية التي تطرح نموذجاً ناضجاً حيال التحرك الشعبي، وتتضح عند المقارنة ثلاثة فروقات رئيسية:
الفارق الأول هو أن غالب تحركنا الشعبي يتسم بالعاطفية فيكون مليئاً بالشعارات والعناوين التي قد ينفر منها المحايدون في القضايا المثيرة للجدل فتجد المطالبات بتمزيق الآخر وتقطيع أوصاله تغلب على محاولات إيضاح الحقائق وتصحيح المغالطات، بينما نجد في نماذج أخرى مثل النموذج الذي عرضناه تركيزاً أكبر على جانب المعلومات والحقائق وتخفيفاً من حدة الخطاب والشعارات العاطفية.
الثاني هو أننا في كثر من الأحيان نطلق حملات جماهيرية واسعة بدون أهداف محددة فتنتهي هذه الحملات الجماهيرية إما بجمع مبالغ من المال متواضعة مقارنة بالإمكانيات المتوفرة – أنظر مثلاً التقارير حول ما جمع لصالح غزة مقارنة بما يجمع من خلال رسائل الجوال لقنوات التلفزة التجارية من العالم العربي- أو بأن تفتر المشاعر وتنطفئ جذوة الحمية والغضب فيعود الناس إلى حياتهم اليومية. بينما تلجأ المؤسسات الغربية في كثير من الأحيان إلى وضع أهداف واقعية ومحددة للحملات سواء كانت إغاثية – كبناء مدينة سكنية في إقليم أتشيه مثلاُ- أو كانت مرتبطة بقضايا ثقافية أو دينية – مثل المقاطعة المسيحية في أمريكا لشركة ديزني والتي كانت تهدف إلى إيقاف عرض مسلسل يشجع الشذوذ على شبكة تلفزيونية – وهنا نشير إلى أن تحقيق الهدف من الحملة يساهم في تحفيز الشارع إلى القيام بحملات أخرى وعدم وجود أهداف يؤدي إلى يأس الشارع وتململه من العودة إلى التظاهر والمقاطعة.
الثالث هو أن الحملات التي نقيمها تكون في كثير من الأحيان غير مرتبطة بمدد محددة مما يضعف تأثيرها وتركيزها فتجد الدعوات إلى جمع الأموال مفتوحة والدعوة إلى المقاطعة مفتوحة مما يمثل أحياناً استنزاف العواطف إلى آخر قطرة بينما تتميز التجارب الأكثر نجاحاً في التحرك الشعبي بارتباطها بمدد زمنية تمدد عند الحاجة ولكنها تعطي دافعاً للمشاركين للاستمرار والمصابرة ويعطي مجالاً لقياس نجاح الحملة ومعاودة الكرة.
يبقى أن نقول أن التحرك الشعبي هو نتيجة طبيعية للتأثر العاطفي بحدث معين ولكن استثمار هذه العواطف بالطريقة المثلى هو مثل عملية إنتاج الطاقة لا بد أن يتم بكميات محسوبة فإذا نقص عن الحد كانت الطاقة المولدة غير كافية لتلبية الاحتياج وإذا زاد عن الحد المطلوب قد يؤدي إلى احتراق المولدات وبالتالي توقف الطاقة.